فصل: تفسير الآيات (137- 146):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآيات (123- 132):

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)}
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ} تذكير ببعض ما أفادهم التوكل. وبدر ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به. {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} حال من الضمير، وإنما قال أذلة ولم يقل ذلائل تنبيهاً على قلتهم مع ذلتهم لضعف الحال وقلة المراكب والسلاح. {فاتقوا الله} في الثبات. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصره، أو لعلكم بنعم الله عليكم فتشكرون، فوضع الشكر موضع الأنعام لأنه سببه.
{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} ظرف لنصركم. وقيل بدل ثان من إذ غدوت على أن قوله لهم يوم أحد وكان مع اشتراط الصبر والتقوى عن المخالفة، فلما لم يصبروا عن الغنائم وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لم تنزل الملائكة. {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ} إنكار أن لا يكفيهم، ذلك وإنما جيء بلن إشعاراً بأنهم كانوا كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم. قيل أمدهم الله يوم بدر أولاً بألف من الملائكة ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف. وقرأ ابن عامر {مُنزَلِينَ} بالتشديد للتكثير أو للتدريج.
{بلى} إيجاب لما بعد لن، أي بلى يكفيكم. ثم وعد لهم الزيادة على الصبر والتقوى حثاً عليهما وتقوية لقلوبهم فقال: {إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ} أي المشركون. {مّن فَوْرِهِمْ هذا} من ساعتهم هذه، وهو في الأصل مصدر من فارت القدر إذ غلت، فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها ولا تراخي، والمعنى إن يأتوكم في الحال. {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالافٍ مّنَ الملئكة} في حال إتيانهم بلا تراخ ولا تأخير. {مُسَوّمِينَ} معلمين من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء لقوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه. «تسوموا فإن الملائكة قد تسومت» أو مرسلين من التسويم بمعنى الأسامة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو.
{وَمَا جَعَلَهُ الله} وما جعل إمدادكم بالملائكة. {إِلاَّ بشرى لَكُمْ} إلا بشارة لكم بالنصر. {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} ولتسكن إليه من الخوف. {وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله} لا من العدة والعدد، وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد وإنما أمدهم ووعد لهم به إشارة لهم وربطاً على قلوبهم، من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر وحثاً على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم. {العزيز} الذي لا يغالب في أقضيته. {الحكيم} الذي ينصر ويخذل بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة.
{لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ} متعلق بنصركم، أو {وَمَا النصر} إن كان اللام فيه للعهد، والمعنى لينقص منهم بقتل بعض وأسر آخرين، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من صناديدهم.
{أَوْ يَكْبِتَهُمْ} أو يخزيهم، والكبت شدة الغيظ، أو وهن يقع في القلب، وأو للتنويع دون الترديد {فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ} فينهزموا منقطعي الأمال.
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْء} اعتراض. {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ} عطف على قوله أو يكبتهم، والمعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء، وإنما أنت عبد مأمور لإِنذارهم وجهادهم. ويحتمل أن يكون معطوفاً على الأمر أو شيء بإضمار أن، أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء. أو ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. وأن تكون أو بمعنى إلا أن. أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتسر به أو يعذبهم فتشفي منهم. روي أن عتبة بن أبي وقاص شجهُ يوم أحد وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم» فنزلت. وقيل هم أن يدعوا عليهم فنهاه الله لعلمه بأن فيهم من يؤمن. {فَإِنَّهُمْ ظالمون} قد استحقوا التعذيب بظلمهم.
{وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} خلقاً وملكاً فله الأمر كله لا لك. {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} صريح في نفي وجوب التعذيب، والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له. {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم.
{يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة} لا تزيدوا زيادات مكررة، ولعل التخصيص بحسب الواقع. إذ كان الرجل منهم يربي إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: {مضعفة}. {واتقوا الله} فيما نهيتم عنه. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} راجين الفلاح.
{واتقوا النار التي أُعِدَّتْ للكافرين} بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم، وفيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكافرين وبالعرض للعصاة. {وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أتبع الوعيد بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة، ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إلى ما جعل خبراً له.

.تفسير الآية رقم (133):

{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)}
{وَسَارِعُواْ} بادروا وأقبلوا. {إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ} إلى ما يستحق به المغفرة، كالإِسلام والتوبة والإِخلاص. وقرأ نافع وابن عامر سارعوا بلا واو. {وَجَنَّةٍ عرضهالسموات والأرض} أي عرضها كعرضهما، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على طريقة التمثيل، لأنه دون الطول. وعن ابن عباس كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض، {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} هيئت لهم، وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة وإنها خارجة عن هذا العالم.

.تفسير الآية رقم (134):

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)}
{الذين يُنفِقُونَ} صفة مادحة للمتقين، أو مدح منصوب أو مرفوع. {فِي السَّرَّاء والضراء} في حالتي الرخاء والشدة، أو الأحوال كلها إذ الإِنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة، أي لا يخلون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير، {والكاظمين الغيظ} الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة، من كظمت القربة إذا ملأتها وشددت رأسها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنقاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً» {والعافين عَنِ الناس} التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته، وعن النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله» وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت. {والله يُحِبُّ المحسنين} يحتمل الجنس ويدخل تحته هؤلاء، والعهد فتكون الإِشارة إليهم.

.تفسير الآية رقم (135):

{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)}
{والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة} فعلة بالغة في القبح كالزنى. {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ} بأن أذنبوا أي ذنب كان وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك. {ذَكَرُواْ الله} تذكروا وعيده أو حكمه أو حقه العظيم. {فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ} بالندم والتوبة. {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله} استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوفين، والمراد به وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة والحث على الاستغفار والوعد بقبول التوبة {وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ} ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حال من يصروا أي ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به.

.تفسير الآية رقم (136):

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)}
{أولئك جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وجنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا} خبر للذين إن ابتدأت به، وجملة مستأنفة مبينة لما قبلها إن عطفته على المتقين، أو على الذين ينفقون. ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم إن لا يدخلها المصرون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم، وتنكير جنات على الأول يدل على أن ما هم أدون مما للمتقين الموصوفين بتلك الصفات المذكورة في الآية المتقدمة، وكفاك فارقاً بين القبيلين أنه فصل آيتهم بأن بين أنهم محسنون مستوجبون لمحبة الله، وذلك لأنهم حافظوا على حدود الشرع وتخطوا إلى التخصص بمكارمه، وفصل آية هؤلاء بقوله: {وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} لأن المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوت على نفسه، وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير، ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات.

.تفسير الآيات (137- 146):

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)}
{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} وقائع سنها الله في الأمم المكذبة كقوله تعالى؛ {وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} وقيل أمم قال:
مَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُو ** وَلاَ رَأَوْا مِثْلَهُ في سَالِفِ السُّنَنِ

{فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين} لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم.
{هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ} إشارة إلى قوله: {قَدْ خَلَتْ}، أو مفهوم قوله: {فانظروا} أي أنه مع كونه بياناً للمكذبين فهو زيادة بصيرة وموعظة للمتقين، أو إلى ما لخص من أمر المتقين والتائبين، وقوله قد خلت جملة معترضة للحث على الإِيمان والتوبة وقيل إلى القرآن.
{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَتَحْزَنُوا} تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد، والمعنى لا تضعفوا عن الجهاد بما أصابكم ولا تحزنوا على من قتل منكم. {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} وحالكم إنكم أعلى منهم شأناً، فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار، أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم، أو وأنتم الأعلون في العاقبة فيكون بشارة لهم بالنصر والغلبة. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} متعلق بالنهي أي لا تهنوا إن صح إيمانكم، فإنه يقتضي قوة القلب بالوثوق على الله أو بالأعلون.
{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ} قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف، والباقون بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل هو بالفتح الجراح وبالضم ألمها، والمعنى إن أصابوا منكم يوم أحد فقد أصبتم منهم يوم بدر مثله، ثم إنهم لم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى بأن لا تضعفوا، فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون. وقيل كلا المِسينَّ كان يوم أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس} نصرفها بينهم تدليل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى كقوله:
فَيَوْماً عَلَيْنَا وَيَوماً لَنَا ** وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ

والمداولة كالمعاودة يقال داولت الشيء بينهم فتداولوه، والأيام تحتمل الوصف والخبر و{نُدَاوِلُهَا} يحتمل الخبر والحال والمراد بها: أوقات النصر والغلبة. {وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءَامَنُواْ} عطف على علة محذوفة أي نداولها ليكون كيت وكيت وليعلم الله إيذاناً بأن العلة فيه غير واحدة، وإن ما يصيب المؤمن فيه من المصالح ما لا يعلم، أو الفعل المعلل به محذوف تقديره وليتميز الثابتون على الإِيمان من الذين على حرف فعلنا ذلك، والقصد في أمثاله ونقائضه ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريق البرهان. وقيل معناه ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو العلم بالشيء موجوداً.
{وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} ويكرم ناساً منكم بالشهادة يريد شهداء أحد، أو يتخذ منكم شهوداً معدلين بما صودف منهم من الثبات والصبر على الشدائد. {والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} الذين يضمرون خلاف ما يظهرون، أو الكافرين وهو اعتراض، وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يغلبهم أحياناً استدراجاً لهم وابتلاء للمؤمنين.
{وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءَامَنُواْ} ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب إن كانت الدولة عليهم. {وَيَمْحَقَ الكافرين} ويهلكهم إن كانت عليهم، والمحق نقص الشيء قليلاً قليلاً.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة} بل أحسبتم ومعناه الإِنكار. {وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ} ولما تجاهدوا، وفيه دليل على أن الجهاد فرض كفاية والفرق بين {لَّمّاً} ولم إن فيه توقع الفعل فيما يستقبل. وقرئ: {يَعْلَمْ} بفتح الميم على أن أصله يعلمن فحذفت النون {وَيَعْلَمَ الصابرين} نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع. وقرئ بالرفع على أن الواو للحال كأنه قال: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت} أي الحرب فإنها من أسباب الموت، أو الموت بالشهادة. والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج. {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته. {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} أي فقد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو على تمني الشهادة فإن في تمنيها تمني غلبة الكفار.
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل} فسيخلوا كما خلوا بالموت أو القتل. {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} إِنكاراً لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به. وقيل الفاء للسببية والهمزة لإِنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد وفاته. روي: «أنه لما رمى عبدُ الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه، فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله عنه وكان صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: قد قتلت محمداً وصرخ صارخ ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأ الناس وجعل الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إليَّ عباد الله فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه وحموه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرق الباقون، وقال بعضهم: ليت ابن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين لو كان نبياً لما قتل ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك رضي الله عنهما: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعده فقاتلوا على ما قاتل عليه، ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقولون وأبرأ إليك منه وشد بسيفه فقاتل حتى قتل فنزلت». {وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً} بارتداده بل يضر نفسه. {وَسَيَجْزِي الله الشاكرين} على نعمة الإِسلام بالثبات عليه كأنس وأضرابه.
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} إلا بمشيئة الله تعالى أو بإذنه لملك الموت عليه الصلاة والسلام في قبض روحه، والمعنى أن لكل نفس أجلاً مسمى في علمه تعالى وقضائه {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} بالإِحجام عن القتال والإِقدام عليه. وفيه تحريض وتشجيع على القتال، ووعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالحفظ وتأخير الأجل. {كتابا} مصدر مؤكد إذ المعنى كتب الموت كتاباً. {مُّؤَجَّلاً} صفة له أي مؤقتاً لا يتقدم ولا يتأخر. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تعريض لمن شغلتهم الغنائم يوم أحد، فإن المسلمين حملوا على المشركين وهزموهم وأخذوا ينهبون، فلما رأى الرماة ذلك أقبلوا على النهب وخلوا مكانهم فانتهز المشركون وحملوا عليهم من ورائهم فهزموهم. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي من ثوابها. {وَسَنَجْزي الشَّاكرِينَ} الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد.
{وَكَأَيِّن} أصله أي دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى كم والنون تنوين أثبت في الخط على غير قياس. وقرأ ابن كثير: {وكائن} ككاعن ووجهه أنه قلب قلب الكلمة الواحدة كقولهم: وعملي في لعمري، فصار كأين ثم حذفت الياء الثانية للتخفيف ثم أبدلت الياء الأخرى ألفاً كما أبدلت من طائي {مّن نَّبِيٍّ} بيان له. {قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ} ربانيون علماء أتقياء، أو عابدون لربهم. وقيل جماعات والربى منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب: {قتل}، وإسناده إلى {رِبّيُّونَ} أو ضمير النبي ومعه ربيون حال منه ويؤيد الأول أنه قرئ بالتشديد وقرئ: {رِبّيُّونَ} بالفتح على الأصل وبالضم وهو من تغييرات النسب كالكسر. {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله} فما فتروا ولم ينكسر جدهم لما أصابهم من قتل النبي أو بعضهم. {وَمَا ضَعُفُواْ} عن العدو أو في الدين. {وَمَا استكانوا} وما خضعوا للعدو، وأصله استكن من السكون لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة أو استكون من الكون لأنه يطلب من نفسه أن يكون لمن يخضع له، وهذا تعريف بما أصابهم عند الإِرجاف بقتله عليه الصلاة والسلام. {والله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} فينصرهم ويعظم قدرهم.